أويس كريم محمد

84

المعجم الموضوعي لنهج البلاغة

مستضعفين ، قد اختبرهم الله بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ومخضهم بالمكاره ( خ 192 ) . وتدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم ، كيف كانوا في حال التّمحيص والبلاء ، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدّنيا حالا ، إتّخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، وجرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة وقهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع ، حتّى إذا رأى الله سبحانه جدّ الصبر منهم على الأذى في محبّته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكّاما ، وأئمة أعلاما ، وقد بلغت الكرامة من الله لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم ( خ 292 ) . ( 93 ) في أنّه تعالى يملي على العاصين والكافرين ليزدادوا إثما : فلا يغرّنكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنّما هو ظلّ ممدود إلى أجل معدود ( خ 64 ) . فلا تعتبروا الرّضى والسّخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في موضع الغنى والاقتدار ، فقد قال سبحانه وتعالى : « أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ » فإنّ الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أنفسهم ( خ 192 ) . وقدّر الأرزاق فكثّرها وقلَّلها ، وقسّمها على الضّيق والسّعة ، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها ، وليختبر بذلك الشّكر من غنيّها وفقيرها ( خ 91 ) . أيها النّاس ، ليراكم الله من النّعمة وجلين ، كما يراكم من النّقمة فرقين ، إنّه من وسّع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا ، فقد أمن مخوفا ، ومن ضيّق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيّع مأمولا ( ح 358 ) . ولقد كان في رسول الله ( ص ) ما يدلَّك على مساوىء الدّنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصّته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته ، فلينظر ناظر بعقله ، أكرم الله محمدا بذلك أم أهانه فإن قال أهانه فقد كذب - والله العظيم - ، وإن قال : أكرمه ،